سيد محمد طنطاوي

203

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ويبدو لنا أن الرأي الأول وهو أن « من » للتبعيض أقرب إلى الصواب ، لأن الأمة كلها برجالها ونسائها وشبابها وشيوخها لا تصلح لهذه المهمة السامية ، وإنما يصلح لها من يجيدها ويحسنها بأن تكون عنده القدرة العقلية ، والعلمية ، والنفسية ، والخلقية ، لأدائها . ولذا قال صاحب الكشاف مرجحا أن « من » للتبعيض : قوله : * ( ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ) * من للتبعيض ، لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفايات ، لأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر ، وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته وكيف يباشره فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر ، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر . وقد يغلظ في موضع اللين ، ويلين في موضع الغلظة وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا ، أو على من الإنكار عليه عبث . وقيل « من » للتبيين ، بمعنى : وكونوا أمة تأمرون ، كقوله - تعالى - كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ « 1 » . وقوله - تعالى - * ( ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) * معطوف على قوله : * ( يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ) * من باب عطف الخاص على العام . وفائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عاما ثم مفصلا على هذين الوجهين وهما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، لأنهما أشرف ألوان الدعوة إلى الخير . وقوله : * ( يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ) * المفعول فيه محذوف وكذلك في قوله : * ( يَأْمُرُونَ ) * و * ( يَنْهَوْنَ ) * والتقدير يدعون الناس إلى الخير ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر . وحذف المفعول للإيذان بظهوره . أو للقصد إلى إيجاد نفس الفعل . أي يفعلون الدعاء إلى الخير ، أو لقصد التعميم أي يدعون كل من تتأتى له الدعوة . وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتبشير هؤلاء الداعين إلى الخير بالفلاح فقال * ( وأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * والفلاح هو الظفر وإدراك البغية . أي : وأولئك القائمون بواجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هم الكاملون في الفلاح والنجاح ، ولا يمكن أن يفلح سواهم ممن لم يقم بهذا الواجب الذي هو مناط عزة الجماعات والأفراد ، وأساس رفعتهم وقوتهم وسعادتهم . قال بعض العلماء : في الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ووجوبه ثابت

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 397 .